ابن عربي
187
مجموعه رسائل ابن عربي
عبد اللّه بن موسى بن عبد القوي قال : شخص كل شيء ذاته ، فليطلق هذا الاسم على كل ذات بحسب ما هي عليه ، وليس هو حقيقة في شيء ، مجازا في غيره . وقال : ما ثم مجاز أصلا . الكل حقيقة . وقال : صورة كل شيء حقيقة مثل الشخص ما هو مجاز في أمر ما من الأمور . فقال : أخبرني بصورة الأمر . فقال : القديم ثبات الألوهية ، والصورة ما تظهر فيه للأبصار عند الكشف ، والساق شأنها وأمرها ، واليد تصريفها ، والعين حفظها . وقال : وقوفك معك حجابك عنك « 1 » ، فلو زلت عنك لرأيتك « 2 » . وقال كن مع اللّه كما هو اللّه معك ، تكن أنت أنت ، وما يخبرك به فخذ مالك ، وافهم ماله ، وافهم لأي شيء أخبرك عنك وأنت تعلم خبرك « 3 » .
--> ( 1 ) في ه : حجاب عنك . ( 2 ) قال العارف علاء الدين العطار « رؤيتك لنفسك أنك مؤدب خطأ في الأدب » . فمعنى قول الشيخ الأكبر إذن : إن وقوفك مع نفسك من حيث الشهوات حجاب بينك وبين معرفة حقيقة نفسك ، ووقوفك مع معرفتك هذه حجاب عليك ، وبين حقيقية نفسك الحاملة للأسرار والفناء عن المعرفة يستلزم فيض المعرفة الحقة من أعلا ، حيث زال الحجاب . وحينئذ فكل ما يصدر عن العارف مما هو متصل بالبشرية لا يكون وقوفا مع النفس ، بل يكون تحقيقا لحقيقة المعرفة . يقول داود بن ما خلا « العارف إذا اشتكى آثار بشرية يقال له : إنما أردنا أن نغمر بك دوائر الحس ، كما عمرنا بك دوائر القدس » . فالعارف حين يزول عن نفسه يدرك سريان الأسرار إلى قلبه بلا واسطة ، ويدرك ما هو أعلى من الأسرار بواسطة الملأ الأعلى . ( 3 ) إنما جاء الإخبار عنا في القرآن ونحن نعلم خبرنا لأسرار دقيقة تظهر من الحروف لا من المعنى الكلي . فمثلا قوله تعالى : لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها فكثير من الناس يظن أن قلبه معه ، ومن ظن ذلك فقد أشرك شركا خفيا ، لأن الذي معك هو ربك وَهُوَ مَعَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ . فحرف الجر والضمير لَهُ ينبهان الإنسان إلى معنى عظيم هو وجوب التمييز بين ما هو لك وما هو معك ، حتى تفهم الأمر على حقيقته ، فلا يختلط عليك الحق بالخلق ، فإذا نودي البشر : وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فيجب النظر إلى القلب الذي هو بيت الداء وسر البلاء . وإذا نادى البشر بقوله : سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ وجب النظر إلى القلب في الحال لأنه لك ، وما كان لك يجب أن ترعاه وتصلحه ، ولو كان القلب معك لأصلحه اللّه ولم يكلفك بإصلاحه ، فإذا كان التكبر محله -